الشيخ محمد الصادقي الطهراني

413

التفسير الموضوعي للقرآن الكريم

الظَّالِمِينَ » حصرا في الموقف بعوامل الخلقة المأمورة ، وحسرا عن طرح اسم اللّه ، وكلّ واجد موضعه من فاعل ومفعول ، لأن كلا معروف بموقفه ، فلقد جمع عجاب من أسباب الإيجاز والإعجاز ما اهتم بشأنها الرعيل الأعلى من رجال البلاغة ، فغاصوا خضمّها ، واستخرجوا ما استطاعوا من لئاليها ، ولم تكن إلا قطرة من يمّ . ومن ذلك خطاب الأرض والسماء ببلع الماء وقلعه ، إنباءً عن نفاذ قدرته وسرعة مضي أمره وكان حصول أمره رهن لفظ الكلام دون معاناة ولا كلفة ولا لغوب ومشقة ولطيفة أخرى هي أن « ابلعي » أبلغ من : اذهبي بماءك ، لأن في الابتلاع دليلا على إذهاب الماء بسرعة إلى باطنها ، وكذلك « أقلعي » فإنها أبلغ في الانجلاء ، لأن في الإقلاع أيضا معنى الإسراع إلى السماء ، وذلك أدل على نفاذ القدرة وطواعية الأمور المقدرة من غير وقفة ولا لبثة . ثم في المزاوجة بين « ابلعي وأقلعي » بلاغة عجيبة وفصاحة شريفة أديبة ! . ف « قيل » تكوينا وقولا هما للّه ، « وَغِيضَ الْماءُ » غائضه هو الأرض بأمر اللّه ، « وَقُضِيَ الْأَمْرُ » أمر اللّه وفاعله هو اللّه « واستوت » فاعله الفلك ، و « بُعْداً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ » هم الغارقون أجمعون . ذلك ، فلما « اسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْداً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ » : وَنادى نُوحٌ رَبَّهُ فَقالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحاكِمِينَ ( 45 ) . ترى أنه كان ابنه من صلبه ؟ أم ابن امرأته من غيره ؟ قوله : « إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي » وقول اللّه : « وَنادى نُوحٌ ابْنَهُ » يدلان على أنه في الحق كان ابنه من صلبه ، ولا يقال لابن الزوجة أنه ابن الزوج إلّا بمجاز بعيد وقرينة صارحة تدل عليه وهي هنا منفية . والقول « إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي » يعني أنه من امرأته وهي أهله * ، فهذه قرينة أنه كان ابنها لا ابنه ، إنه مردود بقول اللّه : « إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ » لو أريد أنه من امرأتي ، فقد انقطع عنهما ،